حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

84

التمييز

بالجهل يحبط الكثير من العمل وبالعلم يزكو العمل القليل ، ولذلك فضّل العلم على العمل وفضّل العالم على العابد ، ومعنى تفضيل العلم يرجع إلى ثلاثة أوجه ؛ أحدهما ما ذكرناه ، والثاني عموم نفعه إذ قد يتعدى نفعه وفائدة العبادة لصاحبها ، والثالث يراد به العلم بالله وصفاته وافعاله فذلك أفضل من كل عمل ، بل مقصود الاعمال صرف القلوب عن الخلق إلى الخالق ، وليس يجهل فضل العلم إلّا أهل الجهل لان فضل العلم لا يعرف الّا بالعلم وهو أبلغ في فضله ، فلما عدم الجاهل العلم الذي به يتوصّلون إلى فضل العلم جهلوا فضله وتوهموا أن ما تميل نفوسهم إليه من الأموال المقتناة والطرق المشتهاة أولى أن يكون اقبالهم عليها ، وأحرى ان يكون اشتغالهم بها . / 25 ب / ان اللّه أعزّ العلماء إذ وضع علمه عندهم ، العالم يعرف الجاهل والجاهل لا يعرف العالم لأنّ العالم كان جاهلا ، والجاهل لم يكن عالما . ومن آداب العالم أن يترك فضول الدّنيا غاية الترك ليتبعه النّاس لان الاستدلال بالفعل أقوى من الاستدلال بالقول وهذه سنّة اللّه ورسوله في كلّ من يأمر النّاس بالخير ، أن يكون هو أولهم ومن ينهاهم عن الشرّ ويخوّفهم منه ، أن يكون هو أخوفهم ، وهل يدلّ على الطريق إلّا من سلكه ؟ ويصد عن الفسوق الّا من تركه ؟ كيف يأمر بالمعروف من لا عرفه وينهى عن المنكر من اقترفه ، الخائف يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من الشيطان . وكان سفيان يقول : الاعمال السيئة داء والعلماء دواء ، فإذا فسد الدواء من يشفي الداء . خمس علامات هنّ علامات علماء الآخرة : الخشية والخشوع والتواضع وحسن الخلق والزهد في فضول الدّنيا فمن وجدت فيه هذه الخلال فهو من العلماء بالله . العالم مصباح فمن أراد اللّه به خيرا اقتبس منه ، والنّور إذا جعل في الصدر انشرح القلب بالعلم ونظر باليقين فنطق اللّسان بحقيقة البيان ، ومن وجد حقيقة العلم فقد وجدها بعد نسيان الخلق وهذا سر قوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ « 1 » . وجاء في الحديث : « تعلموا اليقين » « 2 » ، وهذا أمر بمجالسة العلماء / 26 أ / الموقنين لأن

--> ( 1 ) سورة الكهف : آية ( 24 ) . ( 2 ) أورده صاحب قوت القلوب 1 / 263 .